iframalsiriani.jeeran.com
تبحث في شؤون الفكر والمجتمع..
لقاء أريحا وخريف بوش

لقاء أريحا وخريف بوش

 

بقلم : عوني صادق

 

 

لم يكن المرء في حاجة لانتظار انتهاء لقاء أولمرت - عباس في أريحا لمعرفة ما سيسفر عنه، فالنتائج دائماً محكومة بالمقدمات. وربما يكون أهم من اللقاء ومعرفة ما دار فيه وما أسفر عنه هو التمعن في ظروف وخلفيات عقده. ومع أنه يأتي في إطار سلسلة اللقاءات التي تقرر عقدها بين الرجلين منذ فترة، تنفيذاً لرغبة أعربت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس قبل عدة أشهر، في إحدى زياراتها الكثيرة إلى المنطقة، للإيهام بأن الأمور تتحرك وليست جامدة كما هو واقع الحال، وأن رئيسها ليس فاشلاً كما تظهره سياساته في العراق وأفغانستان، بل هو يحقق تقدماً في حل صراع المنطقة ، إلا أنه يأتي هذه المرة على هامش دعوة الرئيس الأمريكي جورج بوش لعقد “لقاء الخريف” الذي يعقد، كما قيل، بهدف بحث الصراع الفلسطيني- “الإسرائيلي”، وليس الصراع العربي- “الإسرائيلي” حيث استبعدت سوريا عن هذا اللقاء.

وأول ما يستحق التمعن فيه من بين هذه الظروف والخلفيات، أن اللقاء جاء بعد ما يقرب من شهرين من سيطرة حماس على غزة، وهو الأمر الذي رأى فيه عدد من الدبلوماسيين السابقين والمنظرين الأمريكيين و”الإسرائيليين” “تحولاً مهماً” في الوضع الفلسطيني، و”فرصة” سانحة لتحريك “عملية السلام” واستئناف المفاوضات بين الفلسطينيين و”الإسرائيليين”، وهؤلاء يقصدون فرصة لتصفية القضية الفلسطينية لحساب الحلول “الإسرائيلية” التقليدية، وإن كان هناك أيضاً من سخر من هذا النمط من التفكير ورأى فيه تكراراً لأخطاء ارتكبت في السابق.

ما صدر عن الرئيس محمود عباس وإيهود أولمرت عشية اللقاء أظهر أن هدفه الرئيسي هو التوصل إلى وضع (إطار) أو (اتفاق مبادئ)، أو بتعبير كوندوليزا رايس استكشاف (أفق سياسي). والمشكلة هنا أن عباس حدد أن هذه (المبادئ) موجودة في خطة (خريطة الطريق) الأمريكية وفي (المبادرة) العربية، وهو ما ينفي سلفاً الحاجة لهذا اللقاء. أما أولمرت فقد وافق على الهدف الذي حدده عباس مع معرفتنا بالموقف “الإسرائيلي” منذ شارون من (خريطة الطريق) ومن (المبادرة) العربية. وأما الحديث عما تسمى (قضايا الحل النهائي) وعن الآليات التي يحتاجها (اتفاق المبادئ)، فهي مسائل مؤجلة إلى (لقاء الخريف) الذي ستترأسه كوندوليزا رايس.

أيضاً، أن التمعن في الأمر يظهر أغراضاً أخرى عند الأمريكيين و”الإسرائيليين”. فالأمريكيون ينتظرون تقرير قائد القوات الأمريكية في العراق الجنرال بترايوس في سبتمبر/أيلول المقبل، والذي يفترض أن تتقرر على أساسه الخطوة التي يتوجب على بوش أن يقدم عليها بالنسبة لوجود هذه القوات في العراق، وهو، وهم يعرفون أنه مع بداية نوفمبر/تشرين الثاني نوفمبر المقبل يتحول الرئيس الأمريكي إلى (بطة عرجاء)، كما يقول الأمريكيون عادة، وتبدأ حملة انتخابات الرئيس الجديد. بمعنى آخر أن اختيار هذا التوقيت لعقد اجتماع خاص بالصراع الفلسطيني- “الإسرائيلي” ينطوي على تضليل كبير ويحمل في ثناياه (لا أهمية) مطلقة لأية قضايا خارجية أو اجتماعات لبحث قضايا خارجية، حتى لو كانت على صلة وثيقة بالوضع في العراق، وصلة هذا الوضع الوثيقة بالصراع العربي- “الإسرائيلي” وحل القضية الفلسطينية.

لكن الأمريكيين و”الإسرائيليين” رأوا في الوضع الناجم عن أحداث يونيو/حزيران في غزة فرصة لما يطلقون عليه (تعزيز سلطة محمود عباس في الضفة الغربية) وتشديد الحصار والعزلة على غزة وحركة (حماس)، ولقاءات عباس- أولمرت كما (لقاء الخريف) تأتي فقط في إطار هذا التعزيز، مثلها مثل الإفراج عن بعض الأسرى وبعض الأموال المحجوزة، والحديث عن (العفو) عن بعض المطلوبين من المقاتلين الفلسطينيين مقابل تسليم أسلحتهم وانخراطهم في أجهزة الأمن الفلسطينية، إلا أن الأهم يتعلق بعودة (التنسيق الأمني) بين السلطة الفلسطينية والسلطات الأمنية “الإسرائيلية”، هذا التنسيق الذي أولاه دينيس روس أهمية بالغة في مقال له في مجلة (يو إس توداي- 21/6/2007) وقال إنه “مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى” من أجل مساعدة عباس وتعزيز سلطته في الضفة الغربية وإفشال (حماس) في غزة. أما روبرت ساتلوف، فرأى في مقال نشرته (بوليسي ووتش) التي يصدرها (معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى) بتاريخ 18/6/2007 ، أن ما جرى في غزة يعتبر “فرصة لتصحيح الخطأ التاريخي الذي ارتكب في اتفاق أوسلو وهو اعتبار الضفة الغربية وقطاع غزة وحدة جغرافية واحدة، وهذا خطأ وتنازل خطير حان الوقت لكي تتخلص “إسرائيل” من تبعاته”، وهو يرى أن “مهمتنا- يقصد الأمريكيين- هي أن ندير الصراع ونحد منه ونخفف من تداعياته السلبية، ونبني لليوم الذي يصبح فيه الحل ممكناً”، أي أنه لا حلول الآن ولا في المستقبل المنظور، والحل المقصود الذي يتحدث عنه ساتلوف، عندما يصبح ممكناً، هو الحل “الإسرائيلي” بالطبع.

ويؤكد الوضع السياسي “الإسرائيلي” القائم هذه الأيام صحة وصدق ما ذهب إليه ساتلوف. فعلاوة على أنه معروف أن “الإسرائيليين” في كل الأحوال لا يفكرون في إعطاء الفلسطينيين إلا ما يفيض عن حاجاتهم وأطماعهم، هناك الضعف الشديد الذي يعاني منه أولمرت ويجعله يتطلع لشهر سبتمبر/أيلول في انتظار التقرير النهائي للجنة فينوغراف الخاص بالفشل في العدوان على لبنان، كما يجعل حكومته غير معروفة المصير، ويجعل من وزير دفاعه (اليساري) إيهود براك صقراً أقرب إلى منافسه (اليميني المتطرف) بنيامين نتنياهو، وهما معا قادران على تجميد الكثير من (مبادراته).

يبقى أن على الفلسطينيين ألا ينتظروا خيراً من مثل هذه اللقاءات.   



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية